(بعض المعطيات المذكورة في هذه الورقة هي تقديرات أوّلية في انتظار الأرقام النهائية الرسمية للمعهد الوطني للإحصاء)
هذه الورقة تنتقد المبادئ التي يرتكز عليها برنامج صندوق النقد الدولي، وهي ما سمّيناها أركان الليبراليّة اللاّوطنيّة، وتوضّح الأضرار الاقتصادية التي قد تخلّفها إذا وقع تطبيقها.
1. تقديم الوضع المالي الخارجي لتونس في 2012
في 2012، بلغت جملة التمويلات المطلوبة من الخارج 9.1 مليار من الدنانير (المعطيات من الميزان الاقتصادي لسنة 2013 لوزارة التنمية) وتوزّع استعمال هذا المبلغ كالتالي:
5.3 + 3 + 0.8 = 9.1
لاحظوا أنّ كلّ هذه الأموال التي نطلبها من الخارج (قروض أو بيع رأس مال البلاد)، يعني 9.1 مليارات من الدنانير، لم ير منها الشعب التونسي إلاّ 1.7 مليار لتغطية العجز التجاري الجملي. ويعود الباقي إلى الأجانب (ربا+تسديد ديون+احتياطي عملة صعبة). ولم ترى الطبقة المهمّشة من هذا المبلغ شيئا بحكم أنّه وقع صرف جلّه في واردات فاخرة.
مع التذكير بأنّه قبل سنة 2006، كان العجز الجاري في حدود مليار من الدنانير سنويّا ثمّ أخذ يتفاقم بسبب انحراف البلاد نحو التداين الموجّه نحو الاستهلاك وبسبب ازدياد ربا التمويل الخارجي، إلى أن بلغ العجز الجاري 5.3 مليارات من الدنانير سنة 2012.
2. الطلب بتصحيح رأس مال البنوك
في حين أنّ التصحيح لا يقع في وضع عام ثوري و مضطرب إذ لا يعقل فرض شروط صعبة على البنوك في ظرف اقتصادي عام متدهور:
إنّ معدّل نسبة الامتلاك الأجنبي للبنوك التونسية تفوق 50%. في الولايات المتحدة هذه النسبة أقلّ من 10% والأمريكان حريصون أن لا يقع تجاوز هذا المستوى، كذالك في أغلب الدول المتقدّمة.
قد تكون الغاية وراء هذا الإجراء هي تمكين شركات أجنبية من امتلاك البنوك التونسية.
اليوم أكثر من 80% من قروض بنوكنا موجّهة إلى توريد مواد استهلاكية. هكذا يتمكّن الغربيون من تخفيض البطالة في أوطانهم باستعمال أموالنا عوض أن نستعمل أموالنا لتشغيل أبنائنا.
فإذا تمادينا في هذا البيع لبنوكنا فسنفقد أداة أساسيّة لتشغيل أبناءنا وخاصّة في الجهات المهمّشة.
3. التخلّي عن سياستنا التجارية الخارجية وعن تحكّمنا في وارداتنا
اليوم نسبة التوريد من جملة الاستهلاك (وهي تدلّ على مدى انفتاح الاقتصاد) تبلغ في تونس 70% في حين أنّ في أمريكا وفي أوروبا لا تتجاوز20%.
اليوم الاقتصاد التونسي يُبذّر العملة الصعبة في نفقات ليست ذات أولويّة، كالإفراط في توريد سلع الكماليات والبذخ، عوض أن نستثمرها فيما ينفعنا، مثل الاستثمار في الاكتفاء الغذائي أو الطاقي.
لقد ازدادت الواردات بنسق 5.9% في سنة 2011 بالنسبة إلى 2010، لتبلغ تقريبا 34 مليار دينار، رغم أنّ البلاد عاجزة على خلاص ربا ديونها إلاّ بالتداين. وفي سنة 2012، ازداد الطين بلّا حيث ازدادت الواردات بنسق 13.3% بالنسبة إلى سنة 2011، لتفوق 38 مليار دينار.
بالتالي فإنّ الأموال المُنفقة في الواردات ازدادت 4 مليارات من الدنانير في 2012 بالنسبة لسنة 2011. ولو تجنّبنا هذا الازدياد بِـ 4 مليارات لكان هذا المبلغ متوفّرا اليوم في خزينة الدولة ولكنّا في غير حاجة إلى طلب قرض من صندوق النقد الدولي اليوم.
وكما يبيّنه الجدول التالي، فإنّ 700 مليون دينار من هذه الزيادة في الواردات متكوّنة من زيادة في توريد سيارات سياحية إذ بلغت واردات السيارات (والجرارات) مليارين من الدنانير سنة 2011 و2,7 مليار سنة 2012.
| فكرة عن أهمّ الزيادات في الواردات لسنة 2012: السيارات السياحيّة: +700 مد الأدوية: +120 مد تجهيزات السكك الحديديّة: +175 مواد بناء حجريّة: +30 تجهيزات التدفئة و التكييف: +200 آلات ميكانكيّة: +100 مواد كمياويّة عضويّة: +100 حبوب: +100 نفط ومشتقاته: +1500 |
إنّ الواردات التي لا يمكننا الاستغناء عنها، وهي الواردات الحيويّة، لا تتجاوز قيمتها 3 مليارات من الدنانير سنويا:
| فكرة عن التوريد الحيوي السنويّ: الحبوب: 1500 مد النفط ومشتقاته (التوريد الصافي):1300 مد |
وهناك تقريبا ما يعادل 10 مليارات من الدنانير من العملة الصعبة في خزينة الدولة اليوم. هكذا يتبيّن أنّ ما زال لدينا متّسعا من الوقت (بضع سنين) لإيجاد حلول لتمويلنا الخارجي. ولن نموت جوعا بحول الله إذا أجّلنا المفاوضات مع صندوق النقد إلى ما بعد الإنتخابات.
4. التيسير في تبديل عملة أرباح المستثمرين الأجانب من الدينار إلى العملة الصعبة وترحيلها وعدم فرض الضريبة عليها
تجاوز المبلغ الجملي للأرباح المبدّلة بالعملة الصعبة قصد ترحيلها مستوى 2.5 مليارات من الدنانير في سنة 2012.
للتوضيح، فإنّ هذه الأرباح مكوّنة من أرباح شركات الغاز والنفط بنسبة 70% تقريبا والباقي تعود لشركات الهاتف والإسمنت والبنوك ومحطّة رادس للكهرباء وهي صفقات أبرمها النظام السابق (بما كان لديه من وطنيّة و حرص على مصير البلاد) وتواصل تونس تحمّل تابعاتها بعد الثورة.
وإذا أضفنا إلى الأرباح المبدّلة بالعملة الصعبة مبلغ الفائدة على القروض الأجنبيّة، وهو تقريبا مليار دينار سنويّا، نتحصّل على التكلفة الجمليّة للتمويل الأجنبي التي ذكرناها أعلاه وهي 3.6 مليارات من الدنانير. هذا هو الثمن السنويّ الذي تدفعه تونس لكراء المال الأجنبي.
أليس من الأجدر أن نسعى اليوم إلى التدقيق في هذه الصفقات وفرض الضرائب على أرباحها، وهي التي أبرمت خدمةً لرجال النظام السابق و ليس خدمة للشعب، بدلا من أن نفرض الغاء الدعم وارتفاع الأسعار على الشعب لحلّ مشكلة عجز ميزانيّة الدولة ؟
أليس الشعب هو المتضرّر من النظام السابق وأصحاب تلك المشاريع هم المنتفعين؟ فكيف نفرض على الشعب اليوم تكاليف الإصلاح ونترك من انتفعوا من فساد النظام السابق؟
5. تخدير تحرك الدولة كعنصر إقتصادي فعّال بواسطة نظرية (وهمية) تنصح بإبعاد الدولة عن ساحة المبادرة الاقتصادية
وتقول هذه النظرية بإبقاء الدولة خارج اللعبة الاقتصاديّة والإكتفاء بسنّ القوانين ومراقبتها وتجهيز الطرقات والجسور ووضع أنابيب الغاز والماء والخ...
مع العلم أنّه ليس هناك أحدا من البلدان المتقدّمة يؤمن بهذه النظريّة ونرى دولهم هي التي توجّه الاقتصاد سواء في الميدان التكنولوجي أو الإنتاجي، وليس السوق كما يوهموننا.
السوق هي طرف من الأطراف وليس الطرف الأوحد. كمثال، فإن برنامج الإنترنت الذي منح للولايات المتّحدة هيمنة على الاتصالات العالميّة، هو برنامج حكومي في الأصل. ونفس الشأن بالنسبة لبرنامج طائرة ارباص في أوروبا الذي جعل منها اليوم، وبعد عقدين من الجهود، القوّة الثانية في العالم في صناعة الطائرات.
منذ نظام بن علي، تُسبّب هذه النظريّة في تبذير الدولة التونسية لمبالغ تتجاوز 2 مليارات من الدنانير سنويا لإنجاز بنية تحتيّة لا جدوى منها مثل بعث مناطق صناعيّة غير مدروسة ومهجورة. فلو وقع إنفاق هذا المال في تمويل مشاريع إنتاجيّة، فلاحيّة مثلا، لما انهار نظام بن عليّ.فلنتجنّب تكرار نفس الخطأ اليوم.
د.محمد مبروك
مسؤول القسم الإقتصادي
المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجي
مسؤول القسم الإقتصادي
المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجي
المصدر: http://www.strategie.tn/index.php/ar/90-ites-section321792154/ites-category381793269/309-%D8%A3%D8%B1%D9%83%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%91%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D9%8A%D8%B3%D8%B9%D9%89-%D8%B5%D9%86%D8%AF%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%AA%D8%B7%D8%A8%D9%8A%D9%82%D9%87%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3